أحمد بن محمد المقري التلمساني
211
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
له : كيف هي القاهرة ؟ فقال : من لم يرها لم يعرف عزّ الإسلام ، وسألت شيخنا أبا العباس بن إدريس كبير العلماء ببجاية مثل ذلك ، فقال : كأنما انطلق أهله من الحساب ، يشير إلى كثرة أممه وأمنهم العواقب ، وحضرت صاحبنا قاضي العسكر بفاس الفقيه الكاتب أبا القاسم البرجي بمجلس السلطان أبي عنان منصرفه من السّفارة عنه إلى ملوك مصر وتأدية رسالته النبوية إلى الضريح الكريم سنة خمس وخمسين ، وسأله عن القاهرة فقال : أقول في العبارة عنها على سبيل الاختصار : إنّ الذي يتخيّله الإنسان فإنّ ما يراه دون الصورة التي تخيّلها لاتساع الخيال على كلّ محسوس إلّا القاهرة فإنها أوسع من كلّ ما يتخيّل فيها ، فأعجب السلطان والحاضرون بذلك ؛ انتهى كلام ابن خلدون ، ولا يخلو عن فائدة زائدة . [ من فوائد المقري الكبير في مواضع مختلفة ] ولا بأس أن نورد من فوائد مولاي الجدّ ما حضرني الآن : فمن ذلك ما حكاه عن عبد الرزاق عن ابن قطرال قال : سمع يهودي بالحديث المأثور « نعم الإدام الخلّ » فأنكر ذلك ، حتى كاد يصرح بالقدح ، فبلغ ذلك بعض العلماء ، فأشار على الملك أن يقطع عن اليهود الخل وأسبابه سنة ، قال : فما تمت حتى ظهر فيهم الجذام . ومنها أنه قال : أنشدني الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن عبد الواحد قال : أنشدني الشيخ التقي ابن دقيق العيد لنفسه في معنى لطيف حجازي « 1 » : [ الطويل ] إذا كنت في نجد وطيب نعيمه * تذكّرت أهلي باللّوى فمحسّر وإن كنت فيهم زدت شوقا ولوعة * إلى ساكني نجد وعيل تصبّري « 2 » فقد طال ما بين الفريقين موقفي * فمن لي بنجد بين أهلي ومعشري ومنها ما حكاه عن عبد اللّه بن عبد الحق عن ابن قطرال قال : كنت بالمدينة على ساكنها الصلاة والسلام إذ أقبل رافضي بفحمة في يده ، فكتب بها على جدار هناك : [ البسيط ] من كان يعلم أنّ اللّه خالقه * فلا يحبّ أبا بكر ولا عمر وانصرف ، فألقى عليّ من الفطنة وحسن البديهة ما لم أعهد مثله من نفسي قبل ، فجعلت مكان يحب « يسب » ورجعت إلى مجلسي ، فجاء فوجده كما أصلحته ، فجعل يلتفت يمينا وشمالا ، كأنه يطلب من صنع ذلك ، ولم يتّهمني ، فلمّا أعياه الأمر انصرف .
--> ( 1 ) انظر طبقات السبكي ج 6 ص 12 . ( 2 ) عيل : ضعف ونفد . وتصبّري : تكلفي الصبر .